Friday, 1 February 2019

تجريد الصورة الشعرية بتعابير سردية/ قراءة إنعام كمونة لنص سرد تعبيري للشاعرة فاطمة محمود سعد الله

أرْغِفةٌ من نورٍ
عصافيرُ الذاكرة تنقُرُ سنابلَ الحُلْمِ ../  يتساقطُ ريشُها عند عتبةِ المواسِمِ ..تتنامى المسافاتُ  البيْضاءُ حِبْراً وحروفاً ..يرفعُ صريرُ القنوطِ عقيرتَه رعْداً وبُروقاً أو شروقاً في قلْبِ الصيْفِ الغافي في أرديةِ الرحيلِ ..تلك القناديلُ المثْقلةُ بالنشيجِ تطأطئ  هامتها المقرورةَ ..ترتجفُ الأرغفةُ الطّينيةُ عند عتبةِ التنورِ الغاضبِ طقطقةً .. طوابيرُ الجياعِ في انتظار الانصهار ..رنينُ الصبر خلاخيلُ في أقدامِ القصائدِ المتكئةِ على أجنحة الشمس ..أما الصباحُ القادمُ من وراء الركضِ ..الحاملُ تيجانَ الدروب الملتوية ..فهو غيْمة تمطر المنتظرين أرغفةً من نور
----------------------
_  أرغفة من نور.. أرغفة خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي او انها ..من نور مركب بالجر وظيفته نعت (صفة) للموصوف النكرة ارغفة .. وأرغفة من نور كلها مركب نعتي اي موصوف وصفة والوظيفة خبر للمبتدا هي او انها .. والتي تشكل انزياحا رمزيا للغة السرد التجريدي وبشكل توصيلي توقظ الاحساس من ظاهرية المعنى وتبعث عن الامعان بقصدية الايحاء .. صورة شعرية متوهجة المعالم ..رقيقة البيان ..قوية المعنى ..مكتنزة الرمز..عنوان  تضمن صورة استهلالية تثير جملة من التساؤلات عن شمولية الحياة  من نمو وبقاء لاستمرارية الكون .. وهي العلامة التي تحيدنا بالتاويل الايجابي لكلمة ارغفة جمع رغيف كلمة بابسط تناولها هي رمز الحياة والعيش الكريم بابسط حقوق الانسانية ..عبارة وصفية بمنتهى الدقة والرقة ما ان يتبادر الى ذهننا حتى نشم رائحة الخبز وتضوع اشتهاءات الكرم , و برمزية النورالموشية الى الانبعاث وانبثاق الحياة الهانئة فكيف ان كان رغيفا من نور هل يغني عن جوع ؟ ايغنينا عن الاستجداء وشضب العيش ام من تشتت ومصير مجهول ؟ ترميز غاية الدهشة يضئ الفكر ويستفز القارئ..  يفتح ابواب التأويل على سفح الأبداع بسرد تعبيري رائع اللغة مكثف الدلالة  .    
_  أرغفة من نور: عنوان تجريدي الفكرة بخفايا غامضة وخلفية متسترة بقضايا انسانية مهمة تشغل قريحة الشاعرة فتتقد بانهمار الحروف جمالية تجريد بشعورية عالية واشراقة مشوقة.. برؤيا تحليلية للحدث بابعاده المرئية والمعتمة قد اكتنز مضمون النص وأُتحف بباطن التأويل .
  _  من عنوان النص تنقلنا الشاعرة لفضاء السرد بين الواقع المتخيل والتخيل بسمات الواقع فتتكور الفكرة وتمتد لتصبح جسدا للنص بسلسلة للمفردات اللغوية وباصوات مختلفة تتجلى رمزية بذكاء محترف للغة التعبيرية عارفة كوامن انتقاء الحرف بهديل محبرتها الملونة الايقاع .
_   قبل سبر مفاصل النص أود ان أقتطف من احد مؤلفات استاذي الدكتور انور الموسوي عما ذكره عن لغة التجريد في السرد التعبيري وهو :: (الاعتماد على الثقل الشعوري والاحساس بالمفردات بدل المعنى والتوصيل الافهامي وهي محاولة جادة في الكتابة التجلياتية وهي الاشراق على العالم والشعور القوي بالاشياء في اللحظة الزمنية من الوجود واعتماد لغة مناسبة لعالم الروح العميق والضبابي تمكن من تجليها في النص )..
ومنه استشف خصائص النص وما تتجلى سماته بصوره التعبيرية العميقة المغزى ..وعبارات بكتل متراصة تنم عن المعنى الغائر الموحي لرؤية شعورية تسرد عبق تأمل مقتدر يخترق اقطاب الخيال بلغة مضيئة ورهافة محسوسة ذا خصائص اسلوبية حققت السرد التعبيري بلغة تجريدية راقية الابداع وبناء جملي متواصل .. سلسة الانسياب متدفقة الأيحاء اكتنزت باحالات تعبيرية وانزياحات نحتت جمالية السرد بشفافية تواصل الجمل للدلائل والرموز..نص يلفت ذائقة المتلقي ليكتشف مكنونه ويفسر دلائله وما ضمرت الفكرة .. بتقنية تعبيرية شعورية مدهشة جعلتني اشد زمام التتابع لسبر دهاليزه ودلائله فارخيت رحالي لظل نوره…
_ نقرأ فقرات النص برموزه العديدة ودلائله المتجلية التأويل لاستقرائه : عندما تنقرعصافير الذاكرة سنابل الحلم يكون الحلم قد ارقه الوجع وبما ان الحلم رحلة زمنية مؤقتة ومحددة الزمن .. زائلة الهيمنة المكانية والزمانية  تتحقق او لا..  تكون مساحته خيال ساكن اعماق الروح الشاعرة …حينها يستيقظ الحلم في ذاكرة الوجدان وينضج ليصبح أُمنية خاوية المعنى على مشارف العمر وفوضى حياة تضج بالاضطرابات تؤكد ما اجج الحلم والذي تحول لحقيقة تُذبِل العيون من وهن الجوع..فيورخه استذكار مستمر بكل المواسم يملأ فراغ الحُلُم فقرا مدقعا ..تجسيد لحالة اجتماعية عامة بفلسفة تجريدية التعبير وعمق ايحاء يوصل الفكرة للقارئ الواعي باحالات تعبيرية تحتضن انزياح بديع ..وعلى مر الزمن وما يلوكه كلاما على ورق فيورث الخيبة من هباء الوعود فينصهر الامل  وتزول ومضات البرق ويجف غيثه يصبح كأيام الصيف الفارهة الحرارة بجوع ووجع جوف تنور فارغا من رغيف الخبز..  ينتشر الموت بانصهار اجسادهم  , وقد يكون موت الحياة من حقيقة واقعٍ جهوري الزيف او موت معنوي للروح المخلوقة من نور سماوي فتطير الاماني باجنحة تحرق العمر جفافا يضني طينة البشر ويؤرخ الزمن الضائع بين امل الانتظار وصبر الحلم .. فلايلمس الا اصوات حروف لا تشبع لهفة جائع..
قد وفقت الشاعرة ايما توفيق باستعارة والتشبية وتعدد رموز شخصنة الاشياء بانفعالات حيوية للبشر..  مثل عصافير الذاكرة تنقر .. ترتجف الارغفة .. وطقطقة التنور بغضبه ..ورنين الصبر..  ورسمت معاناة الأنسان بعمق التامل ورصدت ادق التفاصيل من تهميش واهمال لابسط متطلبات الحياة لما طال الانسانية  من تمزق.. ذلك التجسيد هو الابداع .
اما الصباح المتمثل بالبحث عن العمل وانبثاق الامل وانبعاث الحياة بالتعب والارهاق بحثيث العمل المضني فصعوبة الحياة من اجل عيش كريم هو كغيمة لا تمطر غير الخلاص أوالاستشهاد والتسامي كالنور وكارغفة يطالها نور البصر ولا يلوكها لسان فقير وحتى ارغفة الخيال مدقعة الجدب ومالحة الدمع برطيب الظمأ وبقايا هباء الحلم في عراء الرحيل الموحش للأنسانية على مدى الزمن بتاريخ خجل
_  نرى من بنية النص يتشكل عمق فهم الواقع واختراق حيثياته المكانية والزمانية بابعاد اتساعه تعكسه الشاعرة بمرآة رؤياها المتعددة الرموز وضرورية جدوى بعدة صور مبتكرة الروعة باستيعاب نفسية الشاعرة للمجتمع والحدث وتفاعلت ببصيرة ثاقبة وذهنية غاية التطلع لحياة افضل .. ففرزت بتاثرها احساس غاية الرقة لشاعرة تجس نبض المشهد وتغيرات الحدث مابين حروب وتشتت .. هكذا تلمست الجرح بعمق حبها للسلام .. فالنص وما ضمر بدلائل داعية لنبذ التمزق..  واتقنت فن الخطاب التوصيلي بفحوى رقيق وايحاء رائع ويراع فاره المداد..

No comments:

Post a Comment

Thank you for reading & leaving a comment!