جماليّة استدعاء المقدّس :
- طالما مثّل التناص الديني المرجعيّة الثقافية
للعديد من الشّعراء المعاصرين بمختلف تمظهراته ( إسلامي / مسيحي / يهودي) حتى قارب
أن يكون أحد معايير الحداثوية في القصيدة ، ومهما تعدّدت أشكال التّناص كالإقتباس اللّفظي
المباشر أو الإقتباس المعنوي تظلّ الحاجة ماسّة إليه من حيث إبتغاء إحداث الدهشة وتركيز
الجرعة التكثيفية للقصيدة فيستقيم " الإسقاط " من لدن المشهد الدّيني نحو
الواقع الذي ترومه الرّؤية الشعرية للذّات الشاعرة . فالتناص – والحال هذه – لايتوقف
عند ذاتيّة الجماليّة بل هو إعادة إنتاج النّص الشعري بنكهة مغايرة لنكهة الواقع المصبوغة
بصيغة الحسّية .
- في هذا السياق اخترت أن يكون الجانب التّطبيقي
لموضوعي من خلال نصّين لأحد أهم شعراء العراق المعاصرين : الأمير حازم رشك التميمي
(حازم التميمي) و النّاقدة والشاعرة إنعام كمونة رذاذ محبرتي .
- ولم يكن اختيارهما لأنّهما يتفردان بخاصية
التناص الديني فهذا لايتصوّر لكن لوجود شبه بينهما في تناول التّناصات وهو ما سأتطرّق
اليه بعد قليل .
- أقول :
- يتميز استدعاء المقدس عن الشاعرين بجملة
من الخواص أهمّها :
1/-الكثافة :
في نصّها : "ما ملكت دمائهم"
تعمد السيّدة إنعام الى مجموعة من التناصات مع القرأن فهذا النّص القصير من ثلاثين
سطرا يتضمّن تسع تناصات(العنوان / لمَ تقربون هذه الشجرة ؟/ سنين عجاف..../ وهو رقم
" مخيف" .... وفي نصوصه - التّي اطّلعت عليها على الأقلّ – ينحو حازم التّميمي
نفس المنحى ولنا أن نقرأ رائعته حسرة اللّبلاب لنتأكّد أن القصيدة كلّها تناص واحد
: حوار الخطيئة الأولى بين آدم وحواء .
2/- تذييت التناص : إنّ مجرّد استدعاء المقدّس
في نصّ ما لايعتبر الجمالية القصوى المرومة مالم" يذيّت " بحيث ينجح الذات
الشاعرة في ممارسة قهرها على الموضوع بـ:" ليّ" عنقه نحو الرؤية التي تصبو
إليها وهذا أجده عند الشاعرين بكثرة :
تقول إنعام كمّونة :
*قبل ان يرتد هدهد ابصارهم.
ويقول حازم التّميمي :
كنـا صغـارا مـا انتظـرنـا هـدهـدا=يـأتـي
مــن المجـهـول بـالأنـبـاء.
واضح أن كلاهما يستدعي قصة سليمان عليه
السّلام والهدهد ولكن الجمالية تكمن في زاوية الرؤية ، فالسيدة إنعام توحد بين الهدهد
والذات الفاعلة ( الجندي العراقي) فبصره هو هدهده وهذا الإلتحام يستحيل خارج النص دعوة
الى الأتحام بين مكوّنات الطيف العراقي ، اما الهدهد عند حازم التميمي فهو المضادّ
للفطرة حيث يتشرّب" الصّغار" حبّ العراق دونما حاجة الى الهدهد الذي يحيل
عند حازم الى القنوات المغرضة التي حرضت بين أهل البيت الواحد .
3/- تعمّد قلب المنظور: المتتبّع لنصوص
الشاعرين يلاحظ تعمّدا في قلب منظور الحدث الأول خارج النص أي تعمّد اختلاق حادثة جيدة
ارتكازا على النص الأصلي وأضرب المثال الآتي :
تقول إنعام كمّونة :
*لمَ تقربون هذه الشجرة ؟
ويقول حازم التّميمي :
لومي أخية صولجان خطيئتي*** ماعاد في التفاح
من أعصابي
غري بها غيري سحابك خُلّب*** والأمنيات
البيض محض سراب
فسطر السيدة إنعام هو كلام خارج من لدن
الجنديّ العراقيّ تجاه الطائفيّين حيث يصور العراق معادلا موضوعيا لـ :"شجرة الخطيئة
" فيكون الطائفيّون معادلا موضوعيّا لآدم عليه السّلام والجنديّ العراقيّ موكّلا
من الحقّ سبحانه بدفع الضّيم عن الشجرة ؟ وسط هذه الفوضى في الإسقاط ينكسر التوقع وينتج
النص الجديد .
وعند حازم التميمي تتلخص نكبة العراق في
حوار بين آدم وحوّاء التي تحاول ممارسة الإغواء على آدم ولكنّه يتفطّن فلايقرب الشجرة
خلافا للنص المقدّس ومخالفا غواية حواء :
*غري بها غيري سحابك خُلّب*** والأمنيات
البيض محض سراب
فحازم التميمي يجعل حواء معادلا موضوعيّا
للطائفية ذات المنافع الآنية والضيقة التي جنت الويلات على العراق فالمواطن العراقي
فهم الدرس فلا يشتهي تفاح الخطيئة :
...............................****ماعاد
في التفاح من أعصابي .
تحيّتي
No comments:
Post a Comment
Thank you for reading & leaving a comment!